أُصِبتم من تقصير منظومة الصحّة العامة، أو من تقصير مَن كان عليها أن تراقبها؟ لستم وحدكم في الشعور بأنّ المواجهة تبدو مستحيلة. حين تقف أمامكم وزارةٌ حكوميةٌ كاملة، ونيابةٌ لوائية، وطاقمٌ قانونيٌّ كبير، يسهل الظنّ أنّ لا سبيل إلى النضال. ونحن في سامي أبو وردة مكتب محاماة نرى هذه القصّة على نحوٍ آخر، وعلى ملفّاتٍ معقّدةٍ كهذه بُنِيت خبرتنا الممتدّة 35 عامًا.
ما هي القصّة؟
في تقريرٍ صحفيٍّ من سنة 2013 نُشِر خبر رفع دعوى تُشكّل سابقةً ضدّ وزارة الصحّة في المحكمة المركزية في حيفا. مقيمان شابّان، أُدخِلا قسمًا نفسيًّا مغلقًا في إحدى المؤسّسات في الشمال، أقاما علاقةً في أثناء مكوثهما. وكنتيجةٍ لذلك وُلِد طفل. المحامي سامي أبو وردة، الذي مثّل والدَي الطفل، ادّعى أنّ طاقم المستشفى قصّر في عدم اتّخاذ تدابير حَيطةٍ وإشرافٍ لمنع التماسّ بين المقيمَين، وهما شخصان معترَفٌ بهما ذَوَي عجزٍ نفسيٍّ دائمٍ بنسبة مئة في المئة.
والادّعاء القانونيّ المركزيّ، كما نُشِر في التقرير الصحفيّ، كان أنّ الإنسان حين يكون في قسمٍ نفسيٍّ مغلق، فإنّ حالته النفسية تنفي أصل القدرة على إعطاء موافقةٍ سارية. وفي حالةٍ كهذه، تنتقل مسؤولية الإشراف كاملةً إلى المؤسسة المُؤوِية. وادّعت الدعوى أيضًا أنّ الأمر يتعلّق بـ"الإنجاب الناتج عن إهمالٍ طبّيّ"، وهي نظريةٌ قانونيةٌ تطوّرت في الاجتهاد الإسرائيليّ، تُنشِئ استحقاق تعويضٍ للوالدَين عن نفقات تربية طفلٍ وُلِد نتيجة تقصير جهةٍ طبّية. ووزارة الصحّة، في ردّها على الصحيفة، قالت إنّ "الدعوى وصلت وزارة الصحّة وتتولّاها نيابة لواء حيفا".
ماذا يعني ذلك قانونيًّا، مسؤولية مؤسّسةٍ مُؤوِيةٍ تجاه مَن يُؤوَى لديها؟
دعوى من هذا النوع تتّكئ على ثلاثة محاور قانونيةٍ تتطلّب فهمًا معمّقًا. المحور الأول هو واجب الحَيطة على المؤسسة الطبّية. أمر الأضرار (الصيغة الجديدة) يُلزِم كلّ مقدّم خدمةٍ طبّيةٍ بسلوك مستوى حَيطةٍ يلائم حالة المريض. وحين يتعلّق الأمر بفئةٍ هشّةٍ على نحوٍ خاصّ، مُؤوَون في قسمٍ نفسيٍّ مغلق، يكون مستوى الحَيطة المطلوب من الأعلى في المنظومة.
المحور الثاني هو نظرية الإنجاب الناتج عن الإهمال، الذي تطوّر في القانون الإسرائيليّ ليقدّم جوابًا للحالات التي تكون فيها ولادة طفلٍ نتيجةً مباشرةً لإهمالٍ طبّيّ. وهذه النظرية مرّت بتقلّباتٍ في اجتهاد المحكمة العليا على امتداد السنين، ويتطلّب تطبيقه إثبات علاقةٍ سببيةٍ بين التقصير المحدّد للطاقم الطبّيّ وبين الولادة.
المحور الثالث، ولعلّه الأعقد، هو مسألة الموافقة. قانون حقوق المريض يقرّر أنّ على المريض أن يُعطي موافقةً مستنيرةً لكلّ فعلٍ طبّيّ. لكن ماذا يحدث حين تنفي الحالة النفسية للإنسان من الأساس القدرة على إعطاء موافقة، لا لعلاجٍ طبّيٍّ فحسب، بل لعلاقاتٍ بين-شخصيةٍ عمومًا؟ اجتهاد المحاكم في السنوات الأخيرة يزداد تحديدًا في الحماية القانونية للفئات الهشّة في حالةٍ كهذه، ويُلقي مسؤولية الإشراف على المؤسسة المُؤوِية.
وهذا التعقيد هو بالضبط الموضع الذي تصنع فيه خبرةٌ تمتدّ 35 عامًا في دعاوى الإهمال الطبّيّ فارقًا. ونحن في سامي أبو وردة مكتب محاماة وجدنا أنفسنا على امتداد السنين نقود ملفّاتٍ لم تُرسَم فيها الحدود القانونية بكاملها بعد، وفي جزءٍ ليس بقليلٍ منها أسهمنا بأنفسنا في تطوّر الاجتهاد.

